السيد عبد الله الجزائري

136

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

الوهم كما يغلط في غيره من المواضع وتلتبس عليه الأشياء بأضدادها وذلك لأنه أمر معرض للزوال بما يعترضه من الآفات المذكورة وغيرها ولو فرض سلامته عنها واستمراره لصاحبه مدة الحياة فلا ريب انه يزول بالموت وهو مترقب في كل ان فلو فرض انبساطه بحيث يسجد له جميع من في الأرض فعما قليل يفنى الساجد والمسجود ويلتحقون بالأولين من الملوك والمتذللين لهم ممن طحنهم الموت وقطع دابرهم وهكذا حال المال أيضا فإن من ملك خزائن الدنيا يفارقها عن قريب ويخرج منها صفر اليد كيوم قدم إلى الدنيا بل قدمها خالي الذهن خفيف الظهر وفارقها وفي قلبه من الحسرات ما لا يعلم به الا اللَّه وعليه من الأوزار أضعاف ذلك فالإعراض التي هذه حالها ما أبعدها عن الكمال الربوبي ولا سيما الجاه فان في التشبه بالسباع من حيث التوسع في البطش والاعتداء والشياطين من حيث التلطف إلى القلوب والمكيدة في جلبها والبهائم من حيث التسرح في الشهوات فإنها كلها من لوازمه غالبا وهي في غاية البعد عن صفات الربوبية واما الكمال الحقيقي المقارب لها في الثبات والسلامة عن الزوال فمعرفته تعالى ومحبته المترتبة عليها وما يعين عليها من الآلات والمقدمات العلمية والعملية لبقائه بعد الموت وابتهاج صاحبه به إذ ذاك وفيه التشبه بالأنبياء المتخلقين بأخلاق اللَّه والملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب وقد وقعت الإشارة إلى القسمين في قوله عز وجل الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا . فتلخص مما ذكر ان الاستيلاء المعدود في بادي النظر كمالا ربانيا مطلقا ترجع اقسامه كلها إلى العلم والقدرة والقدرة بنوعيها المالي والجاهى ليست من الكمال في شيء وان سبق الوهم إلى ذلك واما العلم فينقسم إلى ما يبقى وما يزول والزائل هو المتعلق بالممكنات من حيث هي هي وحكمه حكم القدرة والباقي هو المتعلق به تعالى وما يستتبعه كل شيء هالك الا وجهه . وهذا هو الكمال وما سواه جهل وضلال أو حسرة ووبال ومن عرف حق الكمال من باطله صغر الجاه في عينه الا انه انما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب كما قال اللَّه تعالى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى . وقال كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ . فمن ثمة كان العلاج بما ذكر ضعيفا في حقهم والعلاج الأقوى هو العملي والمذكور